مركز الثقافة والمعارف القرآنية

670

علوم القرآن عند المفسرين

من المسالمة كما فعل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ذلك مع قريش يوم الحديبية . وقد دل على التقييد قوله تعالى : فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ « 1 » . 23 - يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ « 2 » . فقد ذكروا : أن حكم الآية الأولى قد نسخ بالآية الثانية ، وأن الواجب في أول الأمر على المسلمين أن يقاتلوا الكفار ، ولو كانوا عشرة أضعافهم ثم خفف الله عن المسلمين فجعل وجوب القتال مشروطا بأن لا يزيد الكفار على ضعف عدد المسلمين . والحق : أنه لا نسخ في حكم الآية ، فان القول بالنسخ يتوقف على إثبات الفصل بين الآيتين نزولا ، وإثبات أن الآية الثانية نزلت بعد مجيء زمان العمل بالآية الأولى ، وذلك لئلا يلزم النسخ قبل حضور وقت الحاجة ، ومعنى ذلك : ان يكون التشريع الأول لغوا . ولا يستطيع القائل بالنسخ إثبات ذلك إلا أن يتمسك بخبر الواحد . « وقد أوضحنا ان النسخ لا يثبت به اجماعا » . أضف إلى ذلك : أن سياق الآيتين أصدق شاهد على أنهما نزلتا مرة واحدة . ونتيجة ذلك : أن حكم مقاتلة العشرين للمائتين استحبابي ، ومع ذلك كيف يمكن دعوى النسخ ، على أن لازم كلام القائل بالنسخ : ان المجاهدين في بدء أمر الإسلام كانوا أربط جأشا ، وأشد شكيمة من المجاهدين بعد ظهور الاسلام ، وقوته وكثرة أنصاره ، وكيف يمكن القول بأن الضعف طرأ على المؤمنين بعد قوتهم ؟ ؟ ! ! والظاهر ، أن مدلول الآيتين هو تحريض المؤمنين على القتال ، وأن اللّه يعدهم بالنصر على أعدائهم ، ولو كانت الأعداء عشرة أضعاف المسلمين ، إلا أنه تعالى لعلمه بضعف قلوب غالب المؤمنين ، وعدم تحملهم هذه المقاومة الشديدة لم يوجب ذلك عليهم ، ورخص لهم بترك المقاومة إذا زاد العدو على ضعفهم ، تخفيفا عنهم ، ورأفة بهم ، مع وعده

--> ( 1 ) سورة القتال : الآية 35 . ( 2 ) سورة الأنفال : الآية 65 و 66 .